جمعت بينهن قسوة الحياة، ووجدن أنفسهن مضطرات للخروج إلى الشارع لتجاوز ظروفهن الاجتماعية المتسمة بالفقر والعوز والعنوسة والترمّل. نساء من مختلف الأعمار يبعن الرغيف والفطائر على الرصيف، أو يعانقن عالم “الفرّاشة”، أو يعملن مياومات في الحقول، وقليل منهن حالفهن الحظ وظفرن بعمل مؤقت في الإنعاش الوطني.
في مواقع مختلفة يجلسن على كراسي حديدية أو بلاستيكية أمام عربات مدفوعة، يتجاذبن أطراف الحديث في شتى المواضيع، وينتظرن لساعات طوال قدوم زبون. وما إن يترجل أحد من سيارته حتى تتعالى أصواتهن المبحوحة مرددة: “خاصك شي حاجة.. هاد السلعة ديال الدار”، يتسابقن نحو الزبون بنظرات وكلمات أشبه بالاستعطاف على أمل أن يرأف بوضعهن.
في مدينة مهمشة كمدينة سبت أولاد النمة حيث تغيب المشاريع الاقتصادية المهيكلة التي من شأنها أن توفر مناصب شغل قارة للنساء، لا يمكن للمرأة الأرملة أو العنوس أو المطلقة في هذا المجتمع الذكوري أن تمارس غير هذا النوع من العمل لتُعيل أفراد أسرتها، تحكي بديعة، اسم مستعار لأربعينية مطلقة من حي الياسمين الذي يشبه الدوار بسبت أولاد النمة، لهسبريس.
وبنبرة جد حزينة، تتابع بديعة التي تمتهن حرفة بيع الملابس على رصيف حديقة شبه عمومية بحي البام2، في تصريحها لهسبريس، قائلة: “الظروف القاسية جعلتني أتخذ من الأرصفة مكانا للبحث عن لقمة عيش بالرغم من المضايقات اليومية التي أتعرض إليها وكابوس الأزمة الخانقة”.
وتضيف: “يصعب على المرأة التعايش مع هذا الوضع في هذه البلدة التي بات فيها كل شيء غير مجد، حتى البيع على الرصيف لم يعد يضمن لقمة العيش، لأن أغلب الأسر تعودت على الانتظار إلى حين السوق الأسبوعي لاقتناء حاجياتها من الملابس عوض اللجوء إلى الشارع أو المحلات التجارية”.
وتتابع: “ما نوفره طيلة الأسبوع من عائدات هذه الحرفة لا يلبي حاجياتنا من المواد الأساسية ومن تكاليف العلاج، خاصة في هذه الظرفية حيث ارتفع سعر كل المواد الغذائية، ناهيك عن فواتير الماء والكهرباء والكراء ومتطلبات العلاج”.
وتواصل بديعة والغضب يعلو محياها: “النساء المعوزات في هذه المنطقة مهمشات يعشن خارج زمانهن، المحظوظات منهن يشتغلن في منازل الأعيان والمقاهي، وأخريات يعملن مُنظّفات في عيادات الأطباء والوكالات الخاصة أو يمتهن بيع الرغيف والفطائر في عالم قروي لا تنتعش فيه هذه الحرفة”.
وما يحزُّ في النفس، تروي المتحدثة بنبرة ألم حادة، أن “هذه الحرفة في تراجع دائم جراء تزايد عدد الباعة وتفشي البطالة، ما يجعلنا كل يوم نعيش كوابيس أفق هذا الزمن المرّ، حيث تتعالى الأصوات المطالبة بالزيادة في الأجور، فيما لا نجد أحدا يتكلم عن الذين لا أجورا لهم إطلاقا”.
وبديعة ليست سوى نموذج للمئات من النساء العاملات في المنازل والحقول الزراعية وبيع الأثواب والرغيف والفطائر، وللعشرات ممن ينتشرن على أرصفة الشوارع بكل مدن ومراكز وحتى قرى الإقليم من أجل تحصيل قوت أولادهن.
من بين هؤلاء، السعدية، وهي أم لأربعة أطفال، لم تختر مصيرها، كما تقول، إنما هي مكرهة بعدما أدارت الدنيا لها ظهرها لتجد نفسها مضطرة للنهوض فجرا لكي تعد الخبز بمنزلها من أجل بيعه على عربة مدفوعة بالقرب من أحد الأسواق بالمدينة لسد تكاليف علاج زوجها الذي أصيب بمرض مزمن، عوض اللجوء إلى التسول.
وأوضحت السعدية، البالغة من العمر حوالي 51 سنة، أنها وجدت صعوبة في الأيام الأولى إلا أنها مع مرور الوقت تمكنت من كسب عدد من الزبنائن واستطاعت أن تتأقلم مع الوضع، مشيرة إلى أن ممارستها لهذه الحرفة أنقذت أبناءها من الضياع ووفرت لها جزءا من مصاريف العلاج.
وفي حديثها لهسبريس، عبرت الخمسينية ذاتها، وهي تحاول إخفاء دموعها، عن أملها في أن تتحسن صحة زوجها، وأن تعود الحالة إلى ما كانت عليه في السابق، لافتة إلى أن ما حدث لها كان مفاجئا وأن الشارع علّمها دروسا كثيرة، مشددة على أن الحياة تحبل بالمفاجآت غير السارة ولا تكون دائما مفروشة بالورود.
وقالت: “من النساء من اخترن التسول ومنهن من هجرن أزواجهن جراء مشاكل عادية، وأنا اخترت هذه الطريق، لأنني مع الله ومع كل سيدة شريفة تكابد وتصر على البحث عن رغيف خبز بعرق جبينها وعلى مواجهة كل من يحاول أن يخدش كرامتها أو يدنّس حياتها”.
وزادت: “في هذه البلدة وظائف عديدة تستحقها النساء، ولهنّ القدرة على أن يتجاوزن فيها خشونة وقدرة الرجل، خاصة في قطاع النظافة وبعض الخدمات بالجماعة الترابية وأيضا بباقي المرافق الإدارية الأخرى، إلا أنهن لا ينلْن الفرصة بحكم العقلية الذكورية التي لا تزال تتحكم في العديد ممن يأخذون بزمام الأمور”.
وأردفت بأن “من النساء من يستيقظن في جنح الظلام، في ظروف جد قاسية، من أجل التوجه إلى المقاهي والمحلبات (وهي محلات تقدم أكلات خفيفة) حيث يعددن ما يحتاجه الناس من فطائر ورغيف وعدد من المخبوزات الأخرى”.
ومقابل كل هذه المعاناة، تواصل المتحدثة، “لا يتقاضين أكثر من مائتي درهم في الأسبوع، بل الأخطر من ذلك أن الكثير منهن يجدن أنفسهن بدون عمل بمجرد التهاون في القيام بمهمة إضافية أو بسبب تأخرهن في الوصول إلى المحل جراء ظروفهن القاهرة”.
وبجهة بني ملال خنيفرة، سبق لجريدة هسبريس الإلكترونية أن رصدت العديد من التجارب النسائية التي لقيت طريقها إلى النجاح، إلا أن ذلك لم يسهم في تمكين باقي العاملات من تحسين وضعيتهن وإبراز طاقتهن وقدراتهن في العمل بالنظر إلى قلة المبادرات التنموية الرامية إلى تحقيق هذا المبتغى مقارنة مع عدد النساء الراغبات في العمل المتزايد سنويا.
يقول الناشط الحقوقي عمر أوزياد: “هناك نساء قرويات بالكاد يتمكّن يوميا من تأمين الخبز لعائلاتهن، وهناك نساء لجأن إلى بيع ما يملكن في المنزل من أجل إطعام أولادهن، بل أكثر من ذلك منهنّ من بعْن أثاث بيوتهن من أجل البحث عن الفردوس الأوروبي”.
ويرى أوزياد أن ما يفسر هذا الوضع، هو “تزايد عدد النساء المهاجرات عبر قوارب الموت بجهة بني ملال خنيفرة”، مشيرا إلى أن “منصات التواصل الاجتماعي تكشف كل مرّة عن هول الظاهرة وفظاعتها”، معبرا عن أمله في أن يتم دعم النساء العاملات وتشجيعهن على إحداث تعاونيات أو مشاريع مدرة للدخل، أو تمكينهن من الحصول على الدعم اللازم لخلق مشاريع من شأنها أن تسهم في التنمية الاقتصادية.
ووصف أوزياد معاناة هؤلاء النساء اللواتي قسا عليهن الدهر ورمى بهن بين مخالب البؤس وأنياب الفقر، بـ”الحقيقية والمرّة، بالرغم من أنهن لا يشتكين من استغلالهن في أمور مشبوهة تسيء لسمعتهن وتخلق لهن في الكثير من الأحيان مشاكل إضافية”.
وأكد الناشط الحقوقي ذاته أن السلطات في السنوات الأخيرة تفطّنت لهذا الوضع الجديد للمرأة القروية خاصة، ما جعلها تعطي أهمية كبرى للمشاركة النسائية في التعاونيات، مسجلا “تحسّنا في اندماجهن وانخراطهن في تثمين المنتوجات المجالية التي تتميز بها الجهة، مثل الزعفران والزيتون والكسكس والجلابة البزيوية وزربية الأطلس”.
وأضاف أن “هذا الاهتمام المتزايد بالقطاع التعاوني استأثر باهتمام النساء، خاصة بعدما ذاع صيت عدد من التعاونيات المهتمة بتثمين المنتجات المحلية وطنيا ودوليا، وأسهم أيضا في الرفع من مستوى تسويق وعرض المنتوجات المحلية والتعريف بجودتها بالمعارض والملتقيات”.
وتأتي هذه المجهودات، تبعا للمصدر ذاته، في إطار التوجهات الجديدة الهادفة إلى تنفيذ مشاريع مدرة للدخل منسجمة مع الخصوصيات البشرية والطبيعية للجهة ونموذجها التنموي الكفيل بإدماج المرأة في المجال التعاوني لتحسين وضعها الاجتماعي والاقتصادي.
وشدد أوزياد على أهمية التعاونيات كرافعة للنهوض بالأوضاع الاجتماعية للمرأة والتقليص من الفوارق الاجتماعية في صفوف النساء عامة، وأشار إلى أنه من شأن تجميع بائعات الخبز أو الملابس في إطار نسوي أن يضمن كرامتهن بالرغم من بعض الإكراهات التي تعترض هذا المجال.








حوادث
رياضة
الآراء والمناقشات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!